وفي العناية المركزة يتدفق الإيمان واليقين
بقاء الحال من المحال.
ويقول الشاعر القديم:
ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حالٍ إلى حال
وكم تمثَّل صاحبنا بهذين الشاهدين، وما دار في فلكهما وهو يسدد كلماته في مقالته المُوجَّهة إلى الحزب الوطني، وقادته الذين يدَّعون أنه حزب الأغلبية، وأن الشعب لن يرضى به بديلاً فهو حزب الحاضر والمستقبل.
ويؤمن صاحبنا بهذه الحكم إيمانًا يقينيًّا؛ لأنها تمثل قاعدة أزلية تشمل كل جوانب الحياة، فالتغير من طبيعة الموجودات الحية والجامدة، وتجذر هذا الإيمان في أعماق صاحبي، وهو الآن في الهزيع الأخير من العمر- يتذكر الأزمة الصحية التي فاجأته من ثلاثة أشهر، وأوقعته في غيبوبة لمدة أربع ساعات، وقالوا إنها: "غيبوبة كبدية" ونُقل على الفور إلى العناية المركزة بمستشفى خاص مشهور في القاهرة، ومرت الأزمة بسلامٍ بعد علاجٍ طبي مركز.
ولا ينسى صاحبنا، مساء السبت الرابع من أغسطس الماضي، وهو يهم بالنوم في أيامٍ اشتدت حرارتها.. أحس صاحبنا كأنما قد نُزع ووُضع في "ثلاجة" شديدة البرودة وغيبوبة قصيرة، ليرى وجوهًا غريبةً تحمله في سيارة الإسعاف إلى مستشفى مشهور آخر تحت العناية المركزة.
ويفيق صاحبنا وقد ثقلت عيناه، وينظر إلى المصابيح في الغرفة فلا يراها إلا كنقاطٍ صغيرة من الضوء علقت بسماء سوداء.
وينظر إلى الشارع من النافذة الزجاجية، فلم يميز مصباحًا واحدًا، وتحوَّل الشارع في نظره الغائم إلى أفق ممتد، ومغطى بشبكاتٍ من الضوء المريض الشاحب، ويرتد بصره إلى حجرته فلا يرى إلا مرتديات الأبيض والأزرق.
ويكتشف صاحبنا أنه مشبوك بعددٍ كبيرٍ من الأسلاك المغروسة في بدنه، والممتدة إلى عددٍ من الأجهزة خلفه على يمينه، ويساره، قال لطبيبه الذي فحصه في الصباح التالي: ألا يكفي القيود التي أدمت حياتنا، وكرامتنا، فجئتم تضيفون إلى القيود قيودًا؟
ابتسم الطبيب، وقال: شتان ما قيود وقيود، فالأولى قيود سياسية ظالمة غاشمة، والثانية قيود علمية نافعة بإذن الله.
وتغمر الطمأنينة نفس صاحبنا وأخذ يردد بينه وبين نفسه "الخيرة فيما اختاره الله" فلا أملك إلا الصبر عن إيمان ويقين، وصدق الإمام علي إذ قال: "… فإنك إن لم تَسْلُ احتسابًا سلوت سلو البهائم"، وما أعظم قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10).
***
يقول صاحبي الراقد تحت العناية المركزة: وفي اليوم التالي (الخامس من أغسطس) كانت أول زيارةٍ من الأهل والإخوان، وبادرتني زوجتي داعيةً: ربنا يطول عمرك، ربنا يطول عمرك، ودعا لي أحد الزائرين "ربنا يعطيك العمر الطويل".
وقفز إلى ذهني صورة "خالد بن عرفطة العذري" الذي أرسله سعد بن أبي وقاص قائد المسلمين في الجبهة الفارسية إلى المدينة ليبشر الخليفة عمر- رضي الله عنه- بالنصر.
فيبادره عمر سائلاً عمَّا وراءه، قال خالد: يا أمير المؤمنين، تركت من ورائي يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم…".
يقول صاحبي: فالدعوة بالعمر الطويل، أو إطالة العمر قديمة، وإن أصبحت عبارة دارجة على ألسنة الناس، مع صعوبة الحياة، وغزارة المشكلات وتشابكها، والناس يقيسون الأعمار بالأرقام فكمّ العمر يحسب من ساعة الميلاد إلى الموت.
ويبتسم صاحبنا وهو يستعيد عبارة كتبها في سياقة مقال نصها: "إننا لو حذفنا من عمر الإنسان السنوات الهالكة.. العابثة الفارغة لما بقي من عمره الكمي إلا القليل. فالأعمار يجب أن تقاس بمعيار كيفي موضوعي وتحسب بقدر ما عمرت به من أعمال. وما أعظم قول عالم حكيم: إننا يجب أن نزيد السنين حياة، لا أن نزيد الحياة سنين".
***
وفي هدأة المساء وصاحبنا على سرير العناية المركزة موصولاً بالأسلاك العلمية، يدور في نفسه حوار داخلي "مونولوج": لماذا يحرص الناس على الحياة، ويهابون الموت؟
- لأن حب البقاء غريزة من أقوى الغرائز التي ركزها الله في نفوس الأحياء كالغريزة الجنسية، وغري
المزيد