توريث …….ولا توريط …….؟

كتبهاabou zied ، في 3 سبتمبر 2007 الساعة: 15:51 م

الزعيــــــــــــــم

 خلال الأسابيع القليلة الماضية وحتي اليوم، يواصل مختلف مسؤولي الحزب الوطني الحاكم وحكومته وأجهزته الإعلامية المكتوبة والمرئية والمسموعة، نفي الشائعات التي انتشرت بطول مصر وعرضها حول صحة الرئيس حسني مبارك، مؤكدين أنه في أفضل حال، وأن كل شيء علي ما يرام، وأن الأمر لا يخرج عن أن أطرافاً سياسية ذات غرض وهوي هي التي اختلقت تلك الشائعات وتقوم بترويجها من أجل النيل من هيبة النظام ورئيسه.

ولم يتوقف مسؤولو الحزب والحكومة ووسائل إعلامهم عند النفي المطلق لما يتردد حول صحة الرئيس، بل ذهبوا أبعد من ذلك لكي يناقشوا ظاهرة الشائعات السياسية بتاريخيها المحلي والعالمي، وأبعادها وأسبابها ونتائجها علي حاضر البلاد ومستقبلها.

وعلي الرغم من مئات الصفحات والساعات التي فاضت بها تحليلات مسؤولي الحزب والحكومة وكتّابهم وصحفييهم في تناول هذه الظاهرة، فإن أحداً منهم لم يحاول أن يمضي أبعد من ذلك، لكي يهتم، ولو قليلاً، بمستقبل هذا البلد، فيطرح قضية خلافة الرئيس مبارك التي أثارتها تلك الشائعات.

 

 

والحديث الجاد عن هذه القضية الخطيرة ليس وليد الشائعات الأخيرة كما قد يسارع بعض من هؤلاء باتهامنا، بل هو الأولوية الحقيقية والأكثر إلحاحاً اليوم علي المجتمع المصري الذي رأينا جميعاً كيف اضطرب واجتاحه القلق - ولا يزال - فور انتشار الشائعات المشار إليها. وحتي لا يفسر قادة حزب الرئيس ومسؤولو حكومته وصحفيوه وكتّابه هذا الاضطراب والقلق، بأنهما تعبير عن ولع المصريين بنظامهم الحالي، وحرصهم علي استمراره كما هو برجاله وأفكاره وسياساته ورئيسه.

فالحقيقة هي أن المصريين قد وجدوا أنفسهم في ظل تلك الشائعات، وقد أضيف لكل ما يعانونه اليوم من سوءات هذا النظام، ظلام مطبق، فيما يخص مستقبل المنصب الأعلي في البلاد، فهي المرة الأولي - كما ذكرنا في مقال سابق في تلك الصفحة - التي لا يعرفون فيها ولا حتي يتكهنون بمن سيشغل هذا المنصب منذ أكثر من مائتي عام. حقيقة الأمر، أن قلق المصريين بل وهلعهم كان - ولا يزال - علي مستقبلهم وأولادهم في ظل المجهول الذي يخيم، حتي اليوم، علي مستقبل هذا المنصب الذي - كما يعرفون وعاشوا ويعيشون - يملك صاحبه كل مفاتيح الحكم في البلاد دون شريك حقيقي يقاسمه ولو نذراً يسيراً منها.

والغريب أن حزب الرئيس الوطني وحكوماته المتعاقبة، وصولاً إلي حكومة الدكتور أحمد نظيف، ظلوا طوال أعوام حكمه الستة والعشرين، يتحدثون عن خططهم واستراتيجياتهم المستقبلية لتطوير كل شيء في مصر خلال خمس أو عشر سنوات وحتي عشرين عاماً، دون أن يجرؤوا علي مجرد التفكير بصوت عالٍ في مستقبل منصب رئيس الجمهورية.

وفي خلال السنوات الأخيرة، طفا علي سطح الحزب الحاكم وجهاز الحكم والمجتمع من اصطلح علي تسميتهم بـ«جيل الشباب الجديد»، الذين التفوا حول أمانة السياسات بلجانها العديدة التي يقودها جميعاً نجل الرئيس السيد جمال مبارك، مقدمين أنفسهم للمصريين، بأنهم الأكثر علماً، زاعمين أنهم يخططون لكل شيء يتعلق بمستقبل البلاد لسنوات طويلة مقبلة.

ووصل الزعم بهؤلاء وكبيرهم أمين السياسات إلي حد وضع مخطط قالوا إنه عملي وشامل لمستقبل القاهرة الكبري عام ٢٠٥٠، في الوقت نفسه الذي لم يلفظ أحد منهم ولو كلمة واحدة، تتعلق بمرشح حزبهم المكتسح للأغلبية في انتخابات الرئاسة المقبلة في عام ٢٠١١ أو في حالة خلو منصب الرئاسة في أي لحظة قبلها. والعجيب هو أن عدداً من قيادات هذا الجيل الجديد في الحزب الحاكم، سواء في أمانة سياساته أو في الأمانات الأخري، هم إما من أساتذة وباحثي العلوم السياسية أو ممن يفترض أن لديهم خبرة سياسية كافية، وكلهم لم - ولا - يكف عن الكتابة والمحاضرة والحديث عن مركزية منصب رئيس الدولة، ليس فقط في النظام السياسي المصري الحالي، بل في مجمل التاريخ المصري.

والسؤال الذي لا مهرب منه هنا هو: لماذا ينسي كل هؤلاء تلك الحقيقة التاريخية والسياسية عندما يقومون بتخطيطهم المزعوم لمستقبل البلاد خلال السنوات المقبلة وصولاً إلي خمسين عاماً مقبلة؟ والسؤال المكمل لهذا السؤال هو: هل يستطيع أحد من هؤلاء أن يخالف ما وقر عند المصريين في إجابتهم عن السؤال الأول من أن الأسباب تتعلق بشجاعتهم ومصالحهم، فيتجرأ ويطرح رؤيته الحقيقية لمستقبل منصب الرئاسة؟

وحتي لا يتحول الأمر إلي قضية قد تبدو «شخصية» مع هؤلاء المشار إليهم، فالأمر برمته يجب أن يطرح علي المؤتمر العام الخامس للحزب الوطني الحاكم المقرر عقده في نوفمبر المقبل، لينتهي فيه إلي قرار يعلنه للمصريين الذين من حقهم أن يعرفوا من هو مرشح هذا الحزب صاحب الأغلبية في كل شيء لرئاسة البلاد، سواء في انتخابات عام ٢٠١١ أو أي انتخابات تجد قبلها.

أما إذا استمر هذا الحزب المهيمن علي كل شيء في البلاد منذ نحو ثلاثين عاماً في تجاهل تلك القضية التي أضحت مثار حديث وقلق وهلع كل المصريين في ظل موجة الشائعات الكاسحة المتعلقة برئيس الجمهورية وحقيقة تقدمه في السن، فإن هذا لن يعني سوي شيء واحد، هو أيضاً مثار حديث المصريين منذ سنوات قليلة، وهو أن هناك تدبيراً يجري بليلٍ، لانقلاب حقيقي يعد له جيل القيادات الجديد، لتوريث كبيرهم السيد جمال مبارك منصب الرئاسة. في هذه الحالة لن يكون أمام هؤلاء المصريين من بدائل سوي أن يستعيدوا بالقول والفعل موقف الزعيم أحمد عرابي أمام الخديو توفيق عندما قال له: "أنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا"، فرد عليه زعيم ثورة الشعب وقائد جيشه: «لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا، فوالله الذي لا إله إلا هو لا نُورَّث ولا نُستعبَد بعد اليوم».

=============
 د. ضياء رشوان
المصرى اليوم

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من بلايا حكام البلاوي, نحو وعي سياسي | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر